maxresdefault

تعليقات وملاحظات بشأن الباب التاسع من مسودة الدستور الليبي المتعلق بالثروات الطبيعية

توطئة

تجدر الإشارة بداية إلى أن اعتماد نظام الدولة البسيطة الموحدة في مسودة الدستور الليبي التي بين أيدينا قد حل أكثر من نصف المعضلات المتعلقة بالوضع القانوني للثروات الطبيعية، ذلك أن النظام الاتحادي الذي يمنح لوحدات الحكم المحلي صلاحيات واسعة في مجالات التشريع والإدارة غالبا ما يطرح بعد التعقيدات بالنسبة لموضوع الثروات الطبيعية وكيفية توزيع الاختصاص بشأنها بين الدولة ومستويات الحكم المحلي.

تنصيص المسودة في الباب التاسع على ملكية الشعب للثروات الطبيعيه وسيادة الدولة عليها باسم الشعب من شأنه أن يساهم أيضا في تدليل العديد من العقبات، لأنه سيثني في المستقبل أي وحدة من وحدات الحكم المحلي أو مكون من مكونات الشعب الليبي عن ادعاء حق الانتفاع بشكل حصري أو تمييزي بهذه الثروات.

مع ذلك، يبقى الخيار الأفضل في الدستور هو تحصين هذا المكتسب (ملكية الشعب للثروات الطبيعيه وسيادة الدولة عليها باسمه) من خلال توفير نظام متكامل للحوكمة الرشيدة لهذه الثروات، وهو ما يمكن الحصول عليه من خلال “مأسسة” (institutionalization) النظام القانوني الخاص بهذه الثروات. ويقصد بالمأسسة هنا إرساء منظومة متكاملة تشمل ثلاثة مكونات : 1/ مبادئ هادية لها قوة الدستور، 2/ وآليات تمنح قيمة إجرائية لهذه المبادئ، 3/ وهيئات عامة تسهر على تنفيذ المبادئ والالتزامات التي ينشئها الدستور.

ملاحظات عامة

  1. تخصيص باب كامل من مسودة الدستور للثروات الطبيعية يبرز الأهمية التي تكتسيها هذه المسألة في نظر المشرع الدستوري الليبي، وذلك خلافا للعديد من الدول، بما فيها الدول المركبة التي تعتمد نظاما اتحاديا (فدراليا) أو جهويا متقدما، والتي تكتفي غالبا بصياغة المبادئ الدستورية المتعلقة بالثروات الطبيعية في مواد متفرقة (إسبانيا : المادتين 45 و 132 ؛ ألمانيا :المادتين 15 و 74 البرتغال: المواد 9 و 66 و 80 و 93)، أو لا تتطرق البتة إلى مسألة الثروات الطبيعية في المتن الدستوري (بلجيكا). لكن تجدر الإشارة إلى أن دولة مثل فرنسا، التي لا يتضمن دستورها أحكام مباشرة حول الثروات الطبيعية، اختارت أن تدون هذه الأحكام في وثيقة ملحقة بالدستور بوصفها جزءا من الكتلة الدستورية، والأمر يتعلق ب”ميثاق البيئة لسنة 2004″.
  2. باستثناء المادتين 184 و 185 اللتين تضعان بعض المبادئ الواضحة المتعلقة بإدارة الثروات الطبيعية، يلاحظ أن صياغة باقي مواد الباب التاسع وردت في شكل جرد لمصادر وأنواع الثروات الطبيعية (المياه، الطاقات المتجددة، الثروات الحيوانية والبحرية، الغطاء النباتي). أسلوب الجرد هذا ورد على حساب التوسع والتفصيل في المبادئ والقواعد التي ينبغي أن تؤطر الحوكمة الرشيدة لكافة الثروات الطبيعية. وبناء عليه، نوصي بصياغة مادة واحدة تخصص لضبط وتحديد المفهوم الدستوري للثروات الطبيعية ولجرد كل أنواع هذه الثروات وتخصيص باقي مواد الباب التاسع لإرساء قواعد حوكمة الثروات الطبيعية.

مقترح صياغة:                              مفهوم الثروات الطبيعية

يقصد بالثروات الطبيعية، من منظور هذا الدستور، كل المعالم الطبيعية والموارد الموجودة في باطن الأرض وظاهرها وفي المياه الإقليمية والجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة وتشمل الثروات الحية وغير الحية من معادن نفط وغاز  ومصادر أخرى للطاقة المتجددة وغير المتجددة وموارد مائية وثروة حيوانية وبحرية وغطاء نباتي.

  1. حسنا فعلت لجنة النظام المالي والثروات الطبيعية عندما أعادت النظر في جرد الثروات الطبيعية وأضافت إليها المعادن والنفط والغاز. ذلك أن الصيغة السابقة من الباب التاسع كانت تتضمن جردا غير شامل لهذه الثروات، وهي على التوالي: المياه والطاقات المتجددة والثروات الحيوانية والبحرية والغطاء النباتي. عدم الإشارة بصريح العبارة إلى المعادن ومصادر الطاقة الأحفورية (غير المتجددة) كان يمكن أن يستفاد منه بأن هذا النوع من الثروات الطبيعية (أي المعادن والنفط والغاز) مستثنى من أحكام الباب التاسع وأنه بالإمكان الخروج عن هذه الأحكام دون أن يكون هناك خرق للدستور. نظرا للقيمة الاقتصادية للنفط والغاز ولأهميتهما في التوازنات السياسية في ليبيا نثمن إدراجهما صراحة ضمن أحكام الباب التاسع (كما في حالة الدستور العراقي ودستور السودان الانتقالي، مثلا) أو عدم جرد أنواع الثروات الطبيعية مطلقا وإسناد هذه المهمة إلى السلطة التشريعية لتحديدها لاحقا.
  2. نوصي بتوخي الحذر عند استعمال بعض المصطلحات أو الصياغات الملتبسة فيما يتعلق بالثروات الطبيعية في الدستور. مثلا:
  • تقضي المادة 185 من المسودة بأن “تعرض العقود والاتفاقيات المتعلقة بالثروات الطبيعية على السلطة التشريعية بمجلسيها لمراجعتها خلال مدد محددة”. القانون الدولي للمعاهدات لا يستعمل (وبالتالي لا يعترف ب) مصطلح المراجعة، بل يستعمل لفظ التصديق أو المصادقة، خاصة وأن المادة 91 من المسودة تمنح صلاحية “التصديق على المعاهدات والاتفاقيات الدولية” إلى السلطة التشريعية.
  • عبارة “المناطق المتضررة” مبهم ويمكن لأي منطقة ادعاء الضرر تحت أي ظرف على أساس هذا المنطوق الدستوري. وبالتالي نوصي استبدالها بعبارة “الأقل نموا” لأنه هناك دائما مؤشرات موضوعية لقياس النمو من عدمه.
  • لا يستحسن ربط التحويلات الناتجة عن الثروات الطبيعية من الدولة إلى وحدات الحكم المحلي على أساس مناطق الاستخراج لأنه من شأن هذا الربط أن يكرس في المستقبل منطق “المحاصصة” بين الدولة ومناطق الاستخراج. وعليه، نوصي بأن يتم الربط على أساس التضامن الوطني والعدالة المكانية التي يمكن قياسها بشكل موضوعي.

المسألة الأولى: تحديد سلطة التشريع في مجال الثروات الطبيعية

إسناد صلاحية إقرار القانون المتعلق بالثروات الطبيعية إلى السلطة التشريعية (الباب الثالث، المادة 91) يتناسب ومنطق الدولة الموحدة ذات النظام اللامركزي، وذلك بخلاف النظم الفدرالية والجهوية المتقدمة التي غالبا ما تتقاسم فيها الدولة المركزية وحدات الحكم المحلي سلطة التشريع. منطوق المادة 91 يستقيم أيضا مع أحكام الباب التاسع من المسودة حيث تمارس الدولة السيادة على هذه الثروات باسم الشعب من حيث الاستغلال والحماية والتنمية والاستثمار وحسن الإدارة. والواقع، هناك خيارات أخرى تعمل بها بعض الدساتير لصيانة اختصاص الدولة الحصري فيما يتعلق بالثروات الطبيعية أو توزيع هذا الاختصاص بين الدولة ومستويات الحكم المحلي. ونذكر بهذا الصدد ثلاث نماذج متباينة حسب درجة استقلال وحدات الحكم المحلي :

  • النموذج الأول: احتكار الدولة للسلطة التشريعية في مجال تدبير البيئة والموارد الطبيعية، كما ينص على ذلك مثلا الدستور الإيطالي في مادته 117. وهو على كل خيار يستقيم مع بنية الدولة الإيطالية التي لم تعتمد الخيار الفدرالي، بل فقط جهوية موسعة تمنح لمستويات الحكم المحلي صلاحيات واسعة، وليس حكما ذاتيا.
  • النموذج الثاني: تقاسم السلطة التشريعية في مجال الثروات الطبيعية بين الدولة ومستويات الحكم المحلي، كما يشير إلى ذلك صراحة الدستور الألماني في المادة 74 الفقرة 15. ويعد هذا الخيار منطقيا بالنظر إلى بنية الدولة الألمانية التي تعتمد النظام الفدرالي.
  • النموذج الثالث: احتكار مستويات الحكم المحلي لسلطة التشريع في مجال الثروات الطبيعية، حيث ينص الدستور الكندي مثلا في المادة 92 (الفقرة 5) على أن إدارة وبيع الأراضي العمومية وكذا الموارد الغابوية الموجودة داخل النفوذ الترابي للأقاليم تعد ضمن الاختصاصات التشريعية المحفوظة لمجالس هذه الأقاليم.

وللتذكير، عرفت ليبيا بعد الاستقلال في ظل دستور 1951 (غير المعدل) خيارا متميزا ومنطقيا عندما كان آنذاك شكل الدولة اتحاديا، إذ كانت المادة 38/6 من هذا الدستور تنص على أن الاتحاد الليبي يتولى السلطة التشريعية في المسائل المتعلقة بالثروات الموجودة في باطن الأرض وبالتنقيب عنها والتعدين، بينما تتولى الولايات سلطة تنفيذ هذه القوانين تحت إشراف الاتحاد.

وعلى كل، تقاسم الاختصاص في مجال الثروات الطبيعية بين الدولة المركزية ومستويات الحكم المحلي من شأنه أن يطرح بعض التعقيدات الإجرائية في البداية على الأقل، مما قد يؤدي إلى رفع الكلفة السياسية والزمنية لإدارة المرحلة الانتقالية في ليبيا. كما أن خيار تقاسم السلطة على الثروات الطبيعية أو إسنادها بالكامل إلى مستويات الحكم المحلي لم يمنع الحركات الانفصالية في السودان مثلا من مواصلة المطالبة بالاستقلال الكامل عن الدولة:

الفصل الثاني من الدستور جمهورية السودان الانتقالي (2005)

موارد الأراضي

186 – 1 : تكون حيازة الأرض واستغلالها وممارسة الحقوق عليها صلاحية مشتركة تمارس على مستوى الحكم المعني.

 2 : يتولى ممارسة الحقوق على الأراضي التي تملكها حكومة السودان مستوى الحكم المعني أو المكلف بذلك.

في العراق، يميز المشرع الدستوري بين نوعين من الثروات الطبيعية ويوزع الاختصاص بشكل مختلف حسب كل نوع:

  • الاختصاص الحصري بالنسبة للمياه الداخلية، حيث تنفرد الدولة الاتحادية بتخطيطالسياساتالمتعلقةبها مع ضمانمناسيبتدفقالمياهوتوزيعهاالعادلداخلالعراق وفقاللقوانينوالأعرافالدولية (الفقرة الثامنة من المادة 110) .
  • تقاسم الاختصاص بالنسبة للنفط والغاز، حيث (أولا) “تقومالحكومةالاتحاديةبإدارةالنفطوالغازالمستخرجمنالحقولالحاليةمعحكوماتالأقاليم والمحافظاتالمنتجة…معتحديدحصةلمدةمحددةللأقاليمالمتضررةوالتيحرمتمنهابصورةمجحفةمنقبلالنظام السابق”.

(ثانياً) “تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي” (المادة 112 من دستور العراق لسنة 2005).

يلاحظ أن المشرع الدستوري العراقي سلك خيار تقاسم الاختصاص والمحاصصة الزمنية بالنسبة لأكثر الثروات الطبيعية جدلا وإثارة للنزاع، النفط والغاز اللذان يعدان الأهم من الناحية الاقتصادية. ولا يبدو أن هذا المسلك استطاع تثبيت الخيار الوحدوي في العراق بشكل نهائي.

المسألة الثانية:  إرساء مبادئ دستورية في مجال حوكمة الثروات الطبيعية

أرست المادتان 184 و 185 ومواد أخرى متفرقة في مسودة الدستور بعض المبادئ التي من شأنها أن تؤسس “لحوكمة رشيدة” في مجال إدارة الثروات الطبيعية. إذ تنص المادة 184 مثلا على مبدأ ملكية الشعب للثروات الطبيعية وممارسة الدولة للسيادة باسمه على هذه الثروات وانتفاع كل مكونات التراب الوطني من هذه الثروات وحفظ حقوق الأجيال القادمة. بينما تشير المادة 185 إلى مراجعة السلطة التشريعية فيما يتعلق بالعقود والاتفاقيات وإلى لوازم الشفافية وجبر الضرر للمناطق المتضررة وكفالة المسؤولية الاجتماعية. وكلها مبادئ تندرج ضمن منظومة “حوكمة الثروات الطبيعية”.

نشير هنا إلى أنه يمكن إغناء هذه الصياغات وتعضيدها بمبادئ أخرى حتى تصبح منظومة “حوكمة الثروات الطبيعية” أكثر تكاملا وتماسكا ووضوحا في الدستور اللليبي. كما نذكر بأن هذا النوع من الحوكمة أصبح الآن متداولا على المستوى العالمي واعتمدته العديد من البلدان في دساتيرها أو تشريعاتها الوطنية، بل إن هناك هيأة دولية تسمى “Revenue Watch Institute” تعمل منذ 2002 على تنصيف الدول حسب إعمالها لمبادئ الحوكمة في مجال إدارة الثروات الطبيعية، وبشكل خاص النفط والغاز والمعادن. ويشير التقرير الأخير لهذه الهيأة (2013) إلى أن الدولة الليبية متأخرة جدا على مستوى مؤشرات الحوكمة في هذا الباب، إذ تحتل ليبيا المرتبة 55 عالميا من أصل 58 دولة محصاة، في حين تتصدر التصنيف العالمي بعض الدول مثل النرويج وكندا والمملكة المتحدة وأستراليا.

وينبني مؤشر الحوكمة، حسب هذه المنظمة، على أربعة معايير أساسية :

  1. جودة الإطار المؤسساتي والقانوني المنظم لإدارة الثروات الطبيعية، خاصة من حيث ضمان الشفافية والمساءلة والمنافسة الحرة والنزيهة.
  2. انفتاح الحكومات والمؤسسات الوطنية المختصة على العموم من خلال نشر تقاريرها وأنشطتها وحجم معاملاتها.
  3. ضمان جودة الإدارة سواء تعلق الأمر بتنازع المصالح وشفافية الصفقات والعقود وبتكافؤ الفرص أو بسلطة البرلمان على الحكومة والمؤسسات المختصة.
  4. الظروف العامة لحوكمة القطاع، وبشكل خاص سيادة القانون وشفافية الموازنة العامة وحوكمة الصناديق الخاصة (Natural Resource Funds) ونقل الموارد إلى الجماعات الترابية ونجاعة آليات مكافحة الفساد ودور المجتمع المدني.

يلاحظ أن الشفافية وتقاسم المعلومات والقرار بين الهيآت الحكومية وممثلي الشعب يشكلان القاسم المشترك لهذه المعايير الأربعة. ولا شك أن مستقبل ليبيا السياسي والاقتصادي رهين بمدى قدرة الدولة والنخب الوطنية على إعمال هذه المبادئ وتحويل إدارة الموارد الطبيعية إلى “فرصة” لولوج التنمية والاستقرار. ولعل هذا أيضا ما يفسر لماذا استطاعت بعض البلدان ولوج مرحلة الرفاه بفضل الإدارة الحكيمة لمواردها الطبيعية. نستحضر هنا نموذج النرويج التي تأتي على رأس قائمة الدول الأكثر مراعاة لمبادئ حوكمة الموارد الطبيعية حسب التصنيف المذكور أعلاه. ذلك أن الدستور النرويجي، وإن لم يتوسع بتفصيل في جرد هذه المبادئ، قد أرسئ أساسا دستوريا صلبا لحوكمة الثروات الطبيعية من خلال المادة 110/ب التي تنص على أن “الموارد الطبيعية تستخدم من منظور طويل الأجل يشمل جميع الجوانب بشكل يضمن هذا الحق أيضا للأجيال القادمة. لضمان حقوق المواطنين بموجب الفقرة السابقة، يتعين إطلاعهم بشكل منتظم على حالة الثروات الطبيعية والآثار المترتبة على تدخلات الدولة في هذا المجال”.

تتوفر الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور على خيارين في هذا الباب :

الخيار الأول : عدم التفصيل في مبادئ حوكمة الثروات الطبيعية والاكتفاء بالإحالة على السلطة التشريعية لتفصل في ذلك بمقتضى قانون.

الخيار الثاني : دسترة مبادئ حوكمة الثروات الطبيعية من خلال مادة فريدة تدمج في الباب التاسع.

نميل إلى اعتماد الخيار الثاني لسبب رئيسي : إضفاء الطابع الدستوري على هذه المبادئ من شأنه أن يمنحها سموا معياريا مرتبطا مباشرة بسيادة الشعب ويمنع بذلك لجوء الأغلبيات المتعاقبة على السلطة التشريعية في ليبيا إلى تعديلها أو إفراغها من محتواها بمقتضى قانون حسب المصالح والظرفية السياسية في البلاد.

مقترح صياغة :                                    حوكمة الثروات الطبيعية

تخضع إدارة الموارد الطبيعية إلى مبادئ الحوكمة الرشيدة المبينة في هذه المادة وتعمل الدولة والمؤسسات الوطنية المختصة على توطين الممارسات الفضلى في هذا المجال كما هو متعارف عليها عالميا.

تشكل المبادئ التالية أساس تدبير الموارد الطبيعية ويجرم القانون الأفعال المخالفة سواء صدرت عن أشخاص ذاتيين أو معنويين أو موظفي الدولة ومستويات الحكم المحلي:

  • تضع السلطة التشريعية القوانين المتعلقة باستغلال وتنمية الثروات الطبيعية وتصادق على كل العقود والاتفاقيات وكذا البرامج والاستراتجيات التي تضعها الحكومة لتنمية هذه الثروات.
  • تنشر الحكومة والمؤسسات الوطنية المختصة، بما لا يمس أسرار الأمن العام، تقارير دورية عن أنشطتها وتلتزم بشفافية الصفقات والعقود وبمبادئ المنافسة الحرة والنزيهة وتكافؤ الفرص والتقاضي المستقل لفض النزاعات.
  • تخضع المؤسسات والشركات الوطنية المكلفة بإدارة أو استغلال الثروات الطبيعية لمعايير الحوكمة من حيث تسييرها، خاصة في ما يتعلق بالشفافية والمحاسبة والافتحاص والتقييم الدوري المستقل.
  • تلتزم الدولة، فيما يتعلق بتنمية الثروات الطبيعية، باستشارة منظمات المجتمع المدني والأهالي وممثليهم في مجالس الولايات.

المسألة الثالثة:  إقرار العدالة المكانية على أساس التوزيع المتكافئ للثروات الطبيعية

يعالج الفقه الدستوري إشكالية توزيع الثروات الوطنية في إطار ما يصطلح عليه بآليات العدالة الترابية أو المكانية “territorial equalization mechanisms”. وتنبني فكرة العدالة المكانية على مبدأ التمييز الإيجابي لفائدة الوحدات الترابية الأقل نموا، وتعرف بأنها العملية التي يتم بمقتضاها توزيع غير متساوي لكن منصف للموارد العمومية على مجموع التراب الوطني حسب الفوارق في الغنى ومؤشرات الإنفاق والتنمية البشرية. ويمكن أن تنصب هذه الآلية على مورد معين، كما يمكن أن تهدف إلى إعادة هيكلة النظام المالي والجبائي أو من خلال صناديق عامة لأجل تصحيح توزيع هذه الموارد بين الدولة ووحدات الحكم المحلي، إما عموديا عبر مخصصات الدولة المحولة إلى هذه الوحدات أو أفقيا بين الوحدات الترابية من نفس الدرجة. وبشكل عام، تتوخى هذه الآلية تعزيز التضامن الوطني من خلال تناسق المجال الترابي للدولة والحد من مظاهر التباين والعجز الموازناتي بين مختلف وحدات الحكم المحلي وتنويع مصادر التمويل لفائدة هذه الوحدات واستباق النزعات الانفصالية ومظاهر السخط في الأقاليم النائية.

مسودة الدستور، بما في ذلك الباب التاسع، تتطرق بشكل متفرق ومن خلال مبادئ عامة (وليس آليات وإجراءات مسطرية) إلى مسألة العدالة المكانية كما يلي:

  • مساواة المواطنين أمام القانون بدون تمييز أو تقييد أو حرمان (المادة 9).
  • رفع مستوى المعيشة والعدالة الاجتماعية من أسس الاقتصاد الوطني (المادة 19).
  • ضمان تكافؤ الفرص لكل المواطنين (المادة 21).
  • ضمان العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والمتوازنة والاستغلال الرشيد للثروة بما يضمن إزالة الاختلال التنموي (المادة 27).
  • توزيع الإيرادات الوطنية بشكل عادل ومنصف بين مستويات الحكم الوطني والمحلي (المادة 175).
  • انتفاع كافة مناطق الدولة بشكل عادل من الثروات الطبيعية (184).
  • جبر الضرر للمناطق المتضررة وكفالة المسؤولية الاجتماعية (185).

هذه المبادئ المتفرقة يمكن تجميعها في صياغة دستورية تعطي لمبدأ العدالة المكانية بعدا مؤسسيا وإجرائيا قابلا للتصريف العملي. وهو ما يستوجب استلهام التجارب المتقدمة في هذا الباب. والواقع أن إشكالية العدالة المكانية لم تكن تحظى في السابق بأهمية كبرى في الدساتير القديمة ولدى فقهاء الدستور. إلا أنها أصبحت مؤخرا تشغل حيزا هاما في المسارات التأسيسية الأخيرة وفي الاجتهاد القضائي المقارن. وهكذا رفع المجلس الدستوري الفرنسي مبادئ الإنصاف الترابي والتمييز الإيجابي بين مختلف وحدات الحكم المحلي إلى مستوى التزام دستوري. كما أن العديد من الدول أدمجتها في دساتيرها، ومن ضمنها:

  • الدستور الإيطالي (المادة 119، الفقرة 3) لتصحيح الفوارق بين جهات الشمال والجنوب من خلال صندوق توزع موارده لفائدة الجهات ذات الدخل الضريبي المحدود.
  • الدستور الألماني (المادة 107، الفقرة 2) لتأهيل جهات ألمانيا الشرقية ودعم الوحدة الاتحادية من خلال تحويلات من الموازنة العامة لفائدة الأقاليم المعنية.
  • الدستور الإسباني (المادة 158، الفقرة 2) لتحفيز التنمية والبنيات التحتية في الجهات الأقل نموا من خلال صندوق تشرف على توزيع موارده السلطة التشريعية.
  • الدستور المغربي (المادة 142) لدعم مسلسل الجهوية المتقدمة من خلال آليتين : صندوق التأھيل الاجتماعي للجهات (آلية عمودية) وصندوق التضامن بين الجهات (آلية أفقية).

يلاحظ أن المشرع الدستوري اختار، في النماذج المذكورة أعلاه، أن يتدخل مباشرة من خلال آليات ضريبية أو صناديق عمومية لتثبيت العدالة المكانية وليس من خلال التوزيع المباشر لعائدات الثروات الطبيعية. والواقع لهذا الاختيار ما يبرره لأنه، عكس القطر الليبي، فإن اقتصاديات وموازنات الدول المذكورة أعلاه لا تعتمد بشكل أساسي على عائدات الثروات الطبيعية. بناء عليه، يتوفر المشرع الليبي على خيارات متعددة لمأسسة العدالة المكانية :

  • الخيار الأول: تحويلات مالية وضريبية مباشرة من الدولة إلى وحدات الحكم المحلي يمكن أن ينص عليها صراحة الباب السادس المتعلق بالحكم المحلي (خاصة المادة 158 بشأن تمويل وحدات الحكم المحلي) أو الباب الثامن المتعلق بالنظام المالي.
  • الخيار الثاني: إحداث صندوق للتضامن الوطني أو صندوقان يشمل الأول تحويلات من الدولة إلى الجماعات الترابية (آلية عمودية) والثاني تحويلات تضامنية ما بين الولايات كما هو الشأن في المغرب (آلية أفقية) وتوزع هذه الموارد بنسب متفاوتة حسب الكثافة السكانية لكل وحدة ترابية ومستوىبناهاالتحتية والخدمية وحجم إيراداتها الضريبية .
  • الخيار الثالث: تحويلات الصندوق السيادي الخاص بعائدات الثروات الطبيعية الذي يمكن إحداثه بموجب الباب التاسع. وسيمكن ذلك من تخصيص نسبة مئوية (من 5% إلى 10%مثلا) لفائدة وحدات الحكم المحلي توزع فيما أخذا بعين الاعتبار نسب الاستخراج أو معايير أخرى يحددها القانون.

ربط العدالة المكانية مباشرة بعائدات الموارد الطبيعية اعتمدته في دساتيرها بعض الدول العربية كالسودان والعراق كخيار اضطراري لمعالجة النزعات الانفصالية. قراءتنا لمسودة الدستور وللواقع الليبي تدفعنا إلى الاقتناع بأفضلية الخيار الثاني (صندوق التضامن الوطني)، ليس فقط لأن هذا الربط يتعارض مع مبدأ سيادة الدولة باسم الشعب على الثروات الطبيعية (حسب منطوق المادة 184)، ولكن أيضا لأنه قد يشكل في المستقبل مدخلا لتكريس منطق “المحاصصة النفطية” بين الدولة ووحدات الحكم المحلي.

مقترح صياغة:                           الثروات الطبيعية وآليات العدالة المكانية

  1. يراعى في توزيع إيرادات الثروات الطبيعية لوازم الإنصاف والعدالة والتضامن الوطني بشكل يضمن النمو المتكافئ لكل وحدات الحكم المحلي ويقلص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والمجالية فيما بينها.
  2. تأخذ الحكومة والسلطة التشريعية بعين الاعتبار لوازم العدالة المكانية عند إقرارها للقوانين والموازنات والسياسات والبرامج العامة للدولة.
  3. علاوة على ذلك، يحدث بقانون صندوق للتضامن الوطني بهدف تأهيل وحدات الحكم المحلي الأقل نموا لسد العجز في البنيات التحتية والخدمية وتعزيز التنمية البشرية في مجموع التراب الوطني.

          تدير السلطة التنفيذية صندوق التضامن الوطني تحت إشراف رئيس الوزراء وتخضع إدارتها لهذا الصندوق لمراقبة السلطة التشريعية وللوازم الشفافية والمساءلة.

  1. تنبني تحويلات صندوق التضامن الوطني لفائدة وحدات الحكم المحلي الأقل نموا على مؤشرات موضوعية، منها بالخصوص التفاوت في الإيرادات الضريبية لهذه الوحدات والكثافة السكانية ومؤشر التنمية البشرية ومستوى البنى التحتية والخدمية.

المسألة الرابعة: الربط الدستوري بين إدارة الثروات الطبيعية وتوجهات الاقتصاد الوطني

إذا كان المشرع الدستوري في ليبيا قد اختار بوضوح احتكار الدولة للاختصاص في مجالات التشريع والتخطيط والإدارة والاستثمار فيما يتعلق بالثروات الطبيعية، فلا شيء يبرر تمادي الدولة في هذا الاحتكار بشكل يكبح دينامية الاقتصاد الليبي وتنافسيته في مجال الطاقات الأحفورية (النفط والغاز) والمتجددة. من هذا المنطلق، يبدو ضروريا وضع إطار مرجعي ومبادئ موجهة لربط الثروات الطبيعية بالاقتصاد الوطني وضبط هذه العلاقة على أساس ما اتفقت عليه الأطراف السياسية في ليبيا من جهة، وعلى ضوء التجارب الأجنبية الرائدة (النرويج وكندا مثلا)، من جهة أخرى. وسيترتب عن هذا الربط أثران إيجابيان : الأول ذو طبيعة احترازية، أي أن الحكومات المتعاقبة في ليبيا ستجد نفسها مؤطرة بمجموعة من المبادئ الدستورية في مجال الاقتصاد الطاقي والثروات الطبيعية ولن يمكنها الزيغ عن هذه المبادئ أو استغلال الفراغ القانوني لتوجيه هذا الاقتصاد وجهة مخالفة. أما الأثر الثاني فهو ذو طبيعة توقعية، بمعنى أن مكانة وصلاحيات والتزامات كل من الدولة (المؤسسات الوطنية ذات الاختصاص) والقطاع الخاص ستكون معروفة ومتوافق حولها مسبقا، مما قد يمنح بعض المرونة لتيسير إنجاز بعض البرامج الإصلاحية في مجال الاقتصاد الطاقي والثروات الطبيعية، خاصة على ضوء مسلسل تحرير الاقتصاد الليبي الذي بدأه النظام السابق ومتطلبات الانفتاح على الاقتصاد العالمي في زمن العولمة.

نموذج : على غرار مجموعة من الدول النفطية، أنشأت دولة النرويج صندوقا سياديا لاستثمار عائدات النفط والثروات الأخرى (Global – Government Pension Fund) وأوكلت إدارة هذا الصندوق إلى البنك المركزي وإلى بعض الشركات الوطنية والأجنبية. ما يميز النموذج النرويجي هو أن الحكومة لا يمكنها التصرف إلا في إيرادات هذا الصندوق، ويكمن الهدف وراء ذلك في الحد من تبعية الموازنة العامة إزاء النفط والتأسيس لاقتصاديات بديلة وحفظ حقوق الأجيال القادمة.

مقترح صياغة:                         الثروات الطبيعية وتوجهات الاقتصاد الوطني

تعتبر الثروات الطبيعة محركا أساسيا للاقتصاد الوطني وتضع الحكومة، تحت إشراف السلطة التشريعية، برامج واستراتجيات مندمجة وبعيدة المدى لتأهيل القطاعات المرتبطة بها وتعزيز  تنافسيتها عالميا.

يخضع الاقتصاد الوطني في مجال الطاقة والثروات الطبيعية الأخرى إلى المبادئ التالية :

  • تشرف الدولة، من خلال مؤسساتها الوطنية المختصة، على إدارة الاقتصاد الوطني في مجال الطاقة والثروات الطبيعية الأخرى استكشافا وإنتاجا وتصنيعا وتسويقا.
  • تشجع الدولة، في إطار القانون والتوجهات الكبرى للاقتصاد الوطني، حرية المبادرة ومساهمة الخواص في تنمية الثروات الطبيعية.
  • تعرض العقود والاتفاقيات المتعلقة بالثروات الطبيعية على السلطة التشريعية بمجلسيها للتصديق عليها خلال مدد محددة وفي الحالات التي يضبطها القانون.
  • تعمل الدولة على توجيه الاقتصاد الوطني في مجال الطاقة والثروات الطبيعية بشكل يساهم في تنويع الاقتصاد وتأمين الانتقال الطاقي (Energy transition)والحد من التبعية إزاء الطاقات غير المتجددة.

يحدث بقانون صندوق سيادي لاستثمار العائدات الناتجة عن استغلال الثروات الطبيعية ويدير هذا الصندوق بنك ليبيا المركزي بتنسيق مع هيأة التنمية المستدامة والقطاعات الحكومية المعنية.

الدكتور عبد الرحيم المصلوحي

جامعة محمد الخامس/ الرباط

عضو مجلس إدارة المنظمة العربية للقانون الدستوري

عضو المكتب التنفيذي للشبكة الإفريقية للقانون الدستوري